المتوكل طه يقدم سيرة توثيقية لذاكرة المكان بأسلوب أدبي، شعري أقرب إلى الرواية المحكية.


بقلم: سامح عودة


مفرداتُ التراب الساحر، ورحيق أزهار الربيع، رائحةُ خبز الفلاحات، وصندوقٌ من ذكريات الطفولة، ومسيرة أجيالٍ ذهبت، تعاقبت وراءها أجيال، سيرة شلال الدم النازف، شهداء كانوا بالأمس القريب هنا، ورحلوا. أسرى لا يزال منهم مغيبٌ خلف الأشواك، وجرحى نزفوا فجبلَ الطين بدمهم، منهم من مضى، ومنهم لا يزال جسده خريطةً تعيد حبالَ الذاكرة إلى مربعها الأول كلما أمعنتَ النظر تحت ثيابهم، وجدائلُ الفتيات، وسيرة الجدات، وأشياء كأنها الخيال، سحرُ يافا، وموالُ العاشقِ الولهان.

احترتُ بين المفردات، وعدتُ مرات ومرات، سطرٌ فسطر، وكلمة فكلمة. وبين الكلمة وأختها، حكايا، لم تحكَ بعد!

هناكَ اختصارات ربما لم تسمح بضعُ صفحات من استيعابها، لأن إنسانية الإنسان هنا، تعجزُ كل لغات الأرض عن وصفها، ولو مزجت البحرَ حبراً ما وَثَقَتَ سطراً، مشهدٌ غريبُ، فيه من الغزل الكثير، وفيه من الألم ما لا يعدُ ولا يحصى، وبين الشقين سحرَ مشهدٍ من أطياف عبرت الذهنَ، فأسكرتنا جمالياتها، شريطٌ تتمايلُ على جوانبه ذكريات المكان. يرسمُ بالحروف خريطةً لا تملُ السير مع خطوطها.

هذا غيضٌ من فيض، وقطراتٌ من مطر، وعطرٌ نفاث، تلمسُ الشغاف وتسري إلى أعماقك، هذه هي الصورة بجمالياتها، عندما تمسكُ بكتاب "عرش الليمون".

"عرش الليمون" من إبداعات الشاعرِ، والأديبِ، والإعلامي الفلسطيني المتوكل طه، - ابن مدينة قلقيلية- كتابٌ أدبي، توثيقي، شعري، جامعٌ فنون اللغة، يحاولُ توثيقَ جزءٍ من ذاكرة المكان "قلقيلية" المدينةُ الفلسطينية، المأسورة، التي تقعُ على سهلٍ يرتفعُ عن الساحلِ قليلاً، كأنها حكمةُ رب الأنام في أن تظلَ عيون قلقيلية مفتوحة نحو الساحلِ تناجي الساحل الأسير، قلقيلية التي ذاقت عذابات الأرذلين، وتجلى الجلاد في قتلها، فطوقَ معصميها، بسورٍ لعين! جدار الضم والتوسعِ العنصري يحيطُ بالمدينة من الجهات الأربع، ولم تقف البشاعةُ عندَ هذا الحد! فقد استباحوا تلالها "فسرطنَ" جسدها بداءٍ لعين اسمه استيطان، عشرات المستوطنات جاثمةً على صدرها.

"عرش الليمون" يحكي عن عذابات ليمون قلقيلية وبرتقالها، (قلقيلية نُعاس الوردةِ وبولادها الجسد الشرس الشهيد، طيرها أليف مجنح يعود ولا يقع في غواية الشِباك ومرايا السقوط السراب، وحضنهاٌ صاهلٌ وفي معمور بالأنهار والمواقد. وقلقيلية اسم للكمال والمحبة والشوق الأكيد).

"عرش الليمون" جزء من أدب المتوكل طه، صدر عن دار الماجد للنشر والتوزيع في العام 2004، تبلغُ عدد صفحاته مئتي صفحة من القطع المتوسط إذا ما أضيف إليها الغلاف وقائمة المحتويات، وهو متنوع بين الأدب، والشعر، والسياسة، مقسمٌ إلى محطات وسأسمح لنفسي نيابةً عن الكاتب بتقسمها إلى أجزاء وهي:

الجزء الأول: توطئة .. قلقيلية الكتاب.

الجزء الثاني: الاجتياح والحصار.

الجزء الثالث: جدار فصل عنصري.

الجزء الرابع: نجوم البلد ويضم (دمعة الشهيد، شو يعني مات، أعراس قلقيلية المختلفة، عنقُ النار، لحية أبو اسماعين، كل شيء لهم، سر سعادة مسعودة).

الجزء الخامس: ملح يافا حلو.

الجزء السادس: في الإيقاع ويضم (حالات الشاعر، إعراب إجباري، بنت البنات، صورة حمدان، الدم على النصل، ملهاة البلد، حارس المقبرة، المنسوف، الأرض، قلقيلية تلبسُ ثوبها، صور ليلية، تقى، هزار، أبي يا أبي، امرأتان، الجدار، آخر موت لرجل من عامة الناس، إضراب عن الطعام).

"عرش الليمون" سيرة توثيقية لذاكرة مكان بأسلوب أدبي، شعري، أقرب إلى الرواية المحكية، فهو يوثق عبر صفحاته المئتين ما قيل، وما لم يقل، ما تناوله العامة، وما يدور في أذهانهم، وللحق فإن انسياب اللغة، وتمكن الكاتب من الكتابة بأكثر من لون أدبي يسرق القارئ من بين السطور إلى عوالم غاية في الجمال، فتراه كالمبحر إلى ميناء بعيد، لأن جمال اللغة ورصانتها يجبرك على أن توجه الشراع نحو النهاية، فلا أعجب أن عاد القارئ للكتاب مرة ومرة، مرة بدافع الفضول، ومرة باتجاه استكشاف المجهول، ومرة منسجماً مع نغم يأسر العقول قبل القلوب، هذا باختصار حول اللغة وهيكلها العام.

أما عن أقسام الكتاب فتجدُ "عرش الليمون" يحاول توثيق أهم المحطات التاريخية التي مرت على المدينة منذ ما قبل النكبة الأولى قبل العام 1948، وهذا يظهر في جزء "ملح يافا حلو" في هذا الجزء بالذات استطاع الكاتب أن يربط الماضي بالحاضر من النكبة الأولى وحتى العام 2004 انتفاضة الأقصى، وما مر على الشعب الفلسطيني من عذابات ووقع فلسطين كاملة تحت الاحتلال.

في هذا الجزء من الكتاب استطاع الكاتب أيضا أن يوظف لغته الأدبية توظيفاً رائعاً حينما استعرض طفولته منذ أن أبصرت عيناه النور في حضن أمه، فروى ذكرياتها منذ شبابها إلى أن توفاها الله، فعانت وهي ميتة كما عانت وأنفها يشم الحياة، وهذه النقطة بالذات تحسبُ للكاتب ولا تحسب عليه حينما ربط الخاص بالعام، لأن الخاص أيضا هو جزء أصيل من العام ولا يمكن إغفاله:

"في المساء ومن بين المعزين الذين امتلأ بهم الديوان والممرات، أطالَ الرجل الوقوف معزياً مع أشقائي – الذين يكبرونني كلهم – ولما وصل إلي شد على يدي، وقال لي حرفياً: عليكَ أن تكتبَ لكل العالم كيف أهانوا أمك وهي ميتة، وطفقت من عينه دمعة عزيزة، واتخذ مجلسه بين الناس".

كما يتناول الكتاب تعريفاً بمدينة "قلقيلية" المدينة الفلسطينية، مسرح الكتاب، موقعها، تاريخها من عهد الرومان، وما قاله المؤرخون عنها، ويوثق في هذا الجزء المعارك لحظة النكبة، وفي الفترة الممتدة بعد ذلك وصولاً إلى وقعها تحت الاحتلال في العام 1967، وهذا الجزء كان ضرورياً لينقل القارئ من عوالم مبهمة إلى عوالم الوضوح، كي يقدم إلى ما سيأتي في الكتاب من أجزاء لاحقاً.

وفي "عرش الليمون" فنون أدبية وشعرية مختلفة ففي الجزء نجوم البلد "عن الشهداء والأشاوس" ويضم: (دمعة الشهيد، شو يعني مات، أعراس قلقيلية المختلفة، عنق النار، لحية أبو اسماعين، كل شي لهم، سر سعادة مسعودة).

يميل الكاتب إلى استخدام أسلوب القصة القصيرة الهادفة، المستوحاة من الواقع، لتوصيل حكمة لمن يمر على الكتاب. وفي كل قصة من هذه القصة رسالة تتناسب وبناء القصة الذي كتبت من أجله.

وفي القسم في الإيقاع وهو النصف الأخير من الكتاب تطغى اللغة الشعرية على الكتاب، فاستخدم الكاتبُ حنكته الشعرية فكتب في هذا الباب عدة قصائد: (حالات الشاعر، إعراب إجباري، بنت البنات، صورة حمدان، الدم على النصل، ملهاة البلد، المنسوف، الأرض، قلقيلية تلبس ثوبها، صور ليلة، تقى، هزار، أبي يا أبي، امرأتان، الجدار آخر موت لرجل من عامة الناس، إضراب عن الطعام).

وفي الباب نفسه استطاع الكاتب أن يبرز مهاراته في البوح "النثر" فكتب (الفلسطيني ابن البلد، حارس المقبرة)، وقد ظهرت براعته وتفوقه في استخدام مفردات راقية وظفها مع هدف كل قطعة، والنثر هنا لا يقل شأناً عن الشعر، بل قد يكون أبلغ.

وفي الكتاب شيء من الكتابة أشبه بالمقالة كما يظهر في (شهادة عن دهم البلدة وإعادة احتلالها "الاجتياح والحصار"، جدار الفصل العنصري)، وبدا واضحاً أنه في الجزء الخامس الذي جاء متواصلاً بدون أقسام، استخدم جميع ألوان الكتابة "شعر، نثر، قصة، مقالة" كالعازف على أكثر من وتر.

في "عرش الليمون" مشاهد متعددة، وانحناءات حروف شامخة، ولكي لا نغرقَ بين السطور أكثر فإن هناك أشياء ربما لا يتسعُ المكان لذكرها، ولكن وبرغم جماليات هذه الألوان الأدبية، وبرغم ما حملته من معانٍ سامية، فهناكَ أشياء كان ينبغي على المؤلف الاهتمام بها أو أن يدقق بها أكثر، فالعنوان "عرش الليمون" عنوان جميل، لكنني أتساءل كقارئ عادي استوقفته بعض الجماليات في متن الكتاب، يقول المؤلف: "ربما عرفتُ إصرار والدي – يرحمهما الله – على زرع بيارة برتقال في أرضنا شرق قلقيلية، بعد النكبة. كأنهما يريدان أن تحمل قلقيلية عن يافا بياراتها وأرضها الممروعة العطرة التي أخذها اليهود". وبما أن الحديث عن يافا وقلقيلية، وجدت المؤلف قد نوه للبرتقال في أكثر من مكان، فلماذا؟ لم يسمِّ الكتاب "عرش البرتقال" مثلاً؟ وهو تساؤل ليس إلا!

كما أن أجزاء الكتاب مترابطة من حيث التسلسل في الأحداث، وفي المضمون، وللحقيقة فإنها تثير شغف القارئ، واهتمامه، لكنني وجدتُ فيها موضوعاً مختلفاً عن المضامين الأخرى "ملهاة البلد" أقرب إلى نمط الرواية المصرية، وهنا ينبغي التوضيح أكثر هي جميلة من حيث إيقاعها ولغتها، لكنني أراها لا تنسجمُ مع باقي العناوين، فلماذا وضعها في الكتاب؟ رغم علمي أن مادة الكتاب كتبت خلال فترات، وقد يكون موضوعها مرتبطاً بقلقيلية البلد!

في منتصف الصفحة العاشرة وحتى نهاية الصفحة الحادية عشرة ذكر المؤلف معلومات حول قلقيلية، من التسمية، مروراً بقلقيلية حتى خلال العصور، كنت أتمنى لو أن المؤلف في هذه المساحة الصغيرة من الكتاب لو أسندها، ووثقها لواحد أو اثنين من المراجع المعروفة.

الكتاب تناول ذاكرة المكان حتى الانتهاء من طباعته في العام 2004، وعرج على تفاصيل الحياة اليومية، وما تعاقبَ على المدينة من أحداث، ولكنه مر على صدور الكتاب خمس سنوات، كانت مليئة بالأحداث فغيرت وجه المدينة الجميل، فلماذا لم يبادر الكاتب برغم معرفتي المسبقة بأنه يستطيع توثيق ما حل بالمدينة من أحداث، إلى إضافة سلسلة أخرى لعرش الليمون؟ أم أنه أصدر شيئاً لكنها لم تصل إلى متناول الجميع.

"عرش الليمون"، محاولة رائعة لتوثيق ذاكرة المكان بأسلوب أدبي، وهو بمثابة خطوة أولى في درب طويل، حاول وبكل براعة أن يغوص في أعماق بحر لجي القاع باحثاً عن الدرر في القاع، واستطاع بأسلوبه الأدبي الشيق، أن يوظف لغته، وشعريته في الكتابة عن جزء من الوطن، لقد أضاف المؤلف إنتاجا أدبيا، ثقافياً، توثيقياً، للمكتبة العربية، وهو مرجع لمدينة معذبةٍ لم تلق نصيبها في تسليط الأضواء عليها.

إن هذا الوطن المثقل بالجراح، الزاخر بكنوز الجمال يستحق الرعاية والاهتمام من قبل كتابنا ومثقفينا، ولذلك عليهم أن يسلطوا، أقلامهم نحو ذواكر الأمكنة، كي لا ننسى!


سامح عودة - فلسطين