الغروب يغدق بالعواطف على الكتابة

04-27 09:51:34


بيطار والاتساق مع القص

الغروب يغدق بالعواطف على الكتابة


هيفاء بيطار معلقة خارج المكان والزمان في قصص تصور مشاعر الوحدة والحزن في حياة المرأة.


بيروت - من جورج جحا

تتناول الكاتبة السورية هيفاء بيطار في كثير من قصص مجموعتها "غروب وكتابة" موضوعات الشعور بالوحدة ومرور الزمن وبعض مجالات اغوار النفس البشرية بكثير من التحليل النفسي والفكري.

وهي تكتب بتدفق وبفيض من المشاعر التي تجعل بعض قصصها حالات رومانسية خاصة في تصوير مشاعر الوحدة والحزن اللذين في احيان كثيرة يرافقان تجربة المرأة.

وتبرز عندها احيانا سمتان الاولى ذات "اتساع" بمعنى انها تظهر في عدد من قصصها وهي ان هذه القصص تبدو كأنها -او بعضا منها على الاقل- "معلقة" خارج المكان والزمان او بشيء من التبسيط لا توحي بأنها مرتبطة بمكان وزمان معينين. عوالمها تبدو احيانا دون معالم وقسمات مميزة.

صحيح ان قسما منها يعطي انطباعا بأنها تجري في عالمنا العربي دون تحديد "اين" و"متى" لكن بعضها يحمل صفات عامة اي ما يشبه النزول في فندق "دولي" فخم قد لا تجد فيه ما ينبئك بمكانه وزمانه اذا لم تكن تعرف الامر مسبقا.

السمة الاخرى يمكن ان تتمثل في القصة الاولى "الى روح احمد" حيث تبدو الكاتبة كمن صنع "قالبا" لبناء او لعمل فني وأخذ يملأ هذا القالب المعد سلفا بأفكار ومشاعر منتقاة لتتناسب مع هذا القالب.

وفي الوقت نفسه فعالم هذه القصة ايضا "غير مميز" فإذا نسينا الاسمين العربيين فقد يصح ان نقول ان مسرح القصة ينطبق على اي مكان.

مجموعة هيفاء بيطار صاحبة العديد من الروايات وكاتبة القصة القصيرة تقع في 151 صفحة متوسطة القطع واشتملت على 20 قصة.

وقد صدر الكتاب عن "منشورات الاختلاف" في الجزائر العاصمة و"الدار العربية للعلوم ناشرون" في بيروت.

الكاتبة تروي بتمرس وقدرة ايا كان موضوعها. وإذا عدنا الى القصة الاولى اي الى "روح احمد" نجد اننا امام موضوع ليس جديدا في عالم السرد او التربية او التحليل النفسي. شقيقان توأمان: فريد وأحمد. كأن الاثنين لونان مختلفان: ابيض واسود. فريد الصورة الكاملة وأحمد نقيضه شخصية وفكرا وعملا. لم يكن لأحمد دور بارز في حياة فريد سارق الأضواء وإعجاب الناس. وحين مات فريد تقمص احمد شخصية الراحل بشكل غير مقنع طبعا.

بدأت الكاتبة بالقول "... صعب ان اكتب عن احمد دون ان ابذل جهدا كبيرا لأتمالك نفسي.. لأحزم انفعالاتي وأربطها جيدا كي لا تفلت في كل اتجاه لاحقة احمد في ضياعه".

وقالت "منذ تلك اللحظة ضاع احمد.. لحظة توفي اخوه فريد... لم اكن اعرف فريد لكن كل من عرفه يشهد انه عبقري. لكن حين رأيت صوره هالني الشبه بين فريد وأحمد لدرجة لم اعرف احدهما من الاخر... ربما النظرة تختلف بينهما فنظرة فريد فيها ثقة وقوة اما نظرة احمد فحائرة.. نظرة من يفتش عن شيء عارفا انه لن يجده".

صحيح ان فريد كان عبقريا لكن في رسم شخصيته هنا جاء اقرب الى الشخصيات التي سميت تقليديا شخصيات "مسطحة" فهو الأبيض والآخر هو الأسود. وتسطيع ان تتكهن بكل صفاته وصفات نقيضه اجمالا. مات فريد في العشرين من عمره بسبب خطأ طبي في عملية جراحية "استنفرت المدينة في جنازة فريد.

كان مشروع عبقرية في الرسم والموسيقى والمسرح... احمد كان صورة فريد لكنه لا يملك روحه المبدعة... اراد احمد ان يصير فريدا.. ان تتقمصه روح الغائب. صار يلبس ثيابه ويدخن غليونه ينام في سريره ويتأمل لوحاته طويلا. يستمع لموسيقاه لكنه يعجز عن خلق شيء".

كان احمد قد ترك الجامعة منذ سنته الاولى وفتح دكان حلاقة للرجال. وتصفه هنا بشكل قد لا ينسجم مع ما طبعته في ذهن القارىء عن شخصيته المحدودة العاجزة فتجعله اشبه بشخصية حائرة مليئة بالمشاعر والافكار التي لا تعرف لها مستقرا. تقول جاعلة منه نموذجا "احمد عنوان عصرنا.. روح الشباب المعذب بالوحشة والتخلي. ورغم المرات القليلة التي التقيته فيها فإنه كان يأسرني بتعبير الألم والضياع في عينيه...".

وأحمد "العاجز عن خلق شيء" يعود فيظهر لنا انسانا باحثا في نفسه وعن نفسه لكنه في محصلة ما تصفه به ربما بدا للقارىء نموذجا لما يطلق عليه "السعدنة الفكرية" من كلمة السعدان اي القرد اكثر منه في صورة الانسان الحائر المفتش.

تقول "احمد لا يعرف من يكون! انه يحاول التعرف على صفاته. يحاول بلورة شخصيته. يتعمد ان يدخل في حديثه بعض الأقوال الذكية المهمة التي يحفظها. تهمه الصرعات الفكرية. يحفظ اسماء الكتاب والكتب الذين اثاروا ضجة. يحفظ عناوين الكتب التي منعتها الرقابة...".

ومن ناحية اخرى جعلت منه انسانا يؤمن بالقدر "كي يخفف عذابه". بدا الشقيقان نقيضين لكن حياتيهما كانتا مرتبطتين كتوأمين سياميين. ارتاح احمد بالموت إذ لحق بأخيه. انتهت القصة بموت احمد بسقوط من مكان مرتفع او اسباب اخرى. لكن الكاتبة انهت تلك الحياة المأساوية بقولها "لم اصدق ابدا تلك القصة. فأحمد اراد ان يموت. من نسيج يومه العادي تنبعث رائحة الموت ... احمد كان يبتسم وهو ميت. ابتسامة صافية حقيقية عجز عنها وهو حي".

في قصة "رحمة الكذب" تصوير ذكي لحالات نفسية قد يرفض اصحابها الحقيقة لان الكذب او الوهم يقدم اليهم سعادة وإن كاذبة ومتعة تستحق اثمانا باهظة. هو اب وجد في الستين وهي في الثلاثين وقد قدمت له سعادة التوهم انها احبته. جعلت الحياة تدب فيه من جديد حتى من الناحية الجنسية. وعندما اكتشف الكذبة لم يتصرف تصرف بطل فلاديمير نوباكوف مع "لوليتا" فيحتجزها بل فضل كما يبدو "النوم" على الكذبة لأنها قدمت له ما لم يقدمه الواقع.

يقول البطل انه يظن انه "صعب على رجل في الستين ان يشرح لماذا وكيف صار عاشقا! هذه الجنية جعلتني افهم حياتي وأفتح عيني على الحقيقة...".

اغدق عليها الكثير وحين عاد من سفره سرا ليفاجئها فوجيء بأنها على علاقة مع عشيق تحبه لكنه لم يجعلها تعرف ذلك. تنتهي القصة بهذا التساؤل "أحتاج الى تلك العربدة المدهشة التي تعلمتها في مدرستها. ما قيمة حياة بائسة كحياتي قبلها... اللعنة على الحقيقة. لماذا يستميت الناس لمعرفة الحقيقة. الرحمة في الكذب. السعادة في الكذب. الحب في الكذب..!!".

في قصة "غروب وكتابة" عالم مؤثر من المشاعر. العمر الهارب.. الموت القادم والوحدة والنهايات.. الغروب واقعا ومجازا. تقول "الغروب لا يشبه الكتابة فقط بل يشبه الحب. فالحب الحقيقي يتألق في افوله وقد فارقه الغرور الغبي للشباب وفظاعة الغريزة ولم يبق سوى رحيق حب معتق لحبيب اخير...".

في "مدرسة الأمل للمعاقين" ما يذكر بالمثل القائل ان من يرى مصائب غيره تهون عليه مصيبته. وفي "كفن الاستاذ" صورة مؤثرة لخروج امرأة من قمقم حبسها فيه زوجها الاستاذ الجامعي الذي اراد تحجيمها فلا تخرج من قمقمه. لكن الظلم شدد عزيمتها وجعلها تنتصر وتنال درجة دكتوراه لتصبح استاذة جامعية.

في يوم في حياة ممرضة "تصوير للظلم والفقر والكفاح في سبيل اللقمة. الا ان هذه الممرضة.. الأم الفقيرة.. تعاني من ظلم رئيستها التي حسمت من اجرها يوما واحدا لانها تأخرت دقائق. ورغم حاجتها الى القرش طلبت منها اجازة خمسة ايام دون اجر. فقد شعرت بأن رضيعها بحاجة اليها اكثر من حاجتها -وهي المعدمة- الى القرش".